مجمع البحوث الاسلامية
485
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
انطلق في سياق اعتبار الكتاب الّذي أنزل على رسول اللّه هدى للنّاس كغيره من الكتب السّابقة عليه ، ممّا يجعله مبيّنا لكلّ المفاهيم الأساسيّة الّتي ذكرت في التّوراة والإنجيل ، لأنّه مصدّق لهما في ذلك كلّه ، ذلك هو طابعه العامّ في ما أريد به من تغيير المسار الإنسانيّ على صورته . أمّا في الآيتين اللّتين بعدها ، فنلاحظ أنّ هناك دعاء ينبع من أعماق الرّوح الّتي تعيش الإحساس بالقلق ، على القلب أن يزيغ في ما يمكن أن يثار أمامه من شبهات في المفاهيم الّتي يقرّرها الكتاب ، في ما يقرّره من حقائق العقيدة والحياة ، ومن إشكال في بعض الكلمات الّتي قد تختلف دلالتها على المعنى الحقيقيّ ، ممّا يوجب السّير في طريق الضّلالة بعد أن انطلقت الخطى في طريق الهدى . إنّ الدّعاء يبتهل إلى اللّه سبحانه أن يهب للإنسان الرّحمة الّتي تمثّل انفتاح الإنسان على الحقّ والفهم الواعي البعيد عن تعقيدات الذّات ، عندما تحاول أن تنحرف به عن الاتّجاه الطّبيعيّ في وعي النّصوص ، لأنّها قد تعمل على أن تحمّل اللّفظ ما لا يتحمّل من المعنى ، وتضعه في جوّ غريب عن الجوّ الّذي يتحرّك فيه ، فيختلف الفهم حسب اختلاف ذلك ، ويبتعد كثيرا عن معناه . وبذلك كان لا بدّ من رحمة اللّه الّتي تعطي الإنسان شعورا بالمسؤوليّة في مجال المعرفة ، كما هي المسؤوليّة في مجال العمل ، حيث تتفايض في القلب كلّ الأفكار الطّيّبة البسيطة ، الّتي تواجه الحقيقة ببساطتها من موقع العفويّة لا من موقع التّعقيد والأفكار المسبقة النّاشئة من أوضاع وظروف بعيدة عن إطار اللّفظ والمعنى . تحرير فهم القرآن من الأفكار المسبقة : إنّنا نستلهم من خلال هذا السّياق الّذي يحيط بالآية ، أنّ هناك خطّا أساسيّا يجب اتّباعه في طريقة الاستهداء بالقرآن إلى المعرفة الحقّة ، وهو خطّ المسؤوليّة الفكريّة والرّوحيّة الّتي تواجه القرآن ، كما لو لم يكن هناك فكر قبله ، لتفهمه بعيدا عن ضوضاء الأفكار السّابقة . وبهذا نستطيع أن نضع الآية في هذا الجوّ . في القرآن نموذجان من الآيات : فهي تتحدّث عن أنّ الكتاب يشتمل على نموذجين من الآيات ، الآيات المحكمة الّتي تمثّل الوضوح في اللّفظ والمعنى ، بحيث لا تدع مجالا للشّكّ والاحتمال ، والآيات المتشابهة الّتي تمثّل نوعا من أنواع الغموض ، فيما يمكن أن تحمل عليه ألفاظها ، لأنّها تحتمل بعض المعاني الواردة على خلاف ما وضعت له لغة ، ممّا يجعل القضيّة متردّدة بين أكثر من مفهوم ، وذلك قد يكون بملاحظة طبيعة اللّفظ ، أو بملاحظة طبيعة المعنى . نموذج القلوب الزّائغة : ثمّ تثير أمامنا قصّة أولئك الّذين في قلوبهم انحراف عن خطّ الهدى ، فهم لا يقرأون الكتاب ليتدبّروه وليهتدوا به ، فيرجعوا متشابهه إلى محكمه ، حيث يكون الإحكام هناك دليلا على تفسير التّشابه هنا ، بل يحاولون أن يقرأوه قراءة الإنسان المعقّد تجاه الرّسالة والرّسول والنّاس الّذين آمنوا بهما ، فهم يعملون على